الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

44

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

سبحانه : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] . فإن العطف في هذه المواضع الثلاثة كان بالفاء ؛ لأن المعطوف فيها ليس ببعيد ولا غريب عن المعطوف عليه ، وحينئذ فلا يعترض بما قيل : إن مدة كل طور أربعون يوما ، وذلك يقتضى عطف الجميع بكلمة « ثم » إن نظر لآخر المدة وأولها ، أو يقتضى العطف بالفاء إن نظر لآخرها فقط . ووجه دفع الاعتراض ظاهر مما قدمنا ، وهو أن المتعاطفات بكلمة « ثم » بينها غاية البعد العقلي ، فنزل منزلة البعد الحسى الزمنى ، وكان العطف ب « ثم » بخلاف المتعاطفات بالفاء ، فلم يكن بينها هذا البعد العقلي ، وإن كان بينها مطلق بعد ، فجاءت الفاء على أصلها ووضعها للترتيب والتعقيب . فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ، أي تنزه عن كل شائبة ونقص ، وحاز جميع صفات الكمال ، والمراد بالخالقين المقدرين ، أي الصانعين ، يقال لمن صنع شيئا : خلقه ، إذا الخلق معناه إيجاد الشيء بتقدير معين ووضع مخصوص ، فيقال لصانع الباب أو الكرسي مثلا : إنه خلقه ، أي أوجده على شكل مخصوص وهندسة معينة ، فكلمة الخلق لا تنفى عن البشر بمعنى الصنع ، وإنما هي منفية عنهم بمعنى الاختراع ، والإيجاد من العدم ، فليس ذلك إلا للّه الواحد القهار . روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية ، فلما بلغ قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] ، قال عمر ، رضى اللّه عنه : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] . وروى أن عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح كان يكتب لرسول اللّه ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، فنطق بذلك قبل إملائه ، فقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « اكتب ، هكذا نزلت » ، فقال عبد اللّه : إن كان محمد نبيا يوحى إليه ، فأنا نبي يوحى إلىّ ، فلحق بمكة كافرا ، ثم أسلم يوم الفتح « 1 » . نظائر لهذه الآية : لهذه الآية في إيرادها المعنى السابق أشباه ونظائر من آي القرآن الكريم ، جاءت بهذا المعنى بأساليب مختلفة ، وجميع هذه الأساليب في أعلى درجات الإعجاز ، وتلك خصيصة القرآن ، يأتي بالمعنى الواحد في عدة مواضع بأساليب مختلفة ،

--> ( 1 ) هذه الرواية ضعيفة ؛ لأن السورة مكية .